تحوّل هشام بنحود من أستاذ في الفنون التشكيلية إلى أحد أبرز وجوه التصوير الفوتوغرافي المعاصر في المغرب. منذ التسعينيات، بنى عالماً بصرياً يتقصّى يوميات المجتمع المغربي عبر مشاهد مُنَسَّقة بدقة، حيث تتحوّل العادات والفضاءات المألوفة إلى أدوات نقدية تشير إلى الجسد، والسلطة، والحرية الفردية. بلغت سلسلة The Classroom لحظة مفصلية جديدة بعد إعادة إصدارها في 2025 وفوزها بجائزة Paris Photo–Aperture PhotoBook Award، لتعيد وضع الفنان في قلب النقاش حول التصوير المفاهيمي والتمثيل في شمال أفريقيا.
تولدت The Classroom بين 1994 و2002 حين كان بنحود يدرّس الفن في مدرسة عمومية. ليست السلسلة توثيقاً للصف بقدر ما هي بناء مشهدي يختبر معنى الانضباط ومحدودية الحركة داخل بنية اجتماعية تراقب الأجساد والعقول. في هذه الصور، تُدار الجلسات مثل لقطات سينمائية قصيرة: ترتيب، إضاءة، توجيه، وبحث دقيق عن المسافة الصحيحة بين المصوّر ومَنْ أمام العدسة. هذه “المسافة” ليست تقنية فقط؛ إنها أخلاقية أيضاً، تحمي كرامة المشاركين وتمنع تحويلهم إلى موضوعات مُستَغَلّة. لهذا يرفض الفنان “سرقة الصور” أو العمل خِلسة، ويصرّ على موافقة من يَظهرون في أعماله.
يتجنّب بنحود تصنيفه كمجرّد “مصور”، ويقدّم نفسه كفنان تشكيلي يستخدم التصوير كأداة أداء وبناء. ما يحدث خلال جلسة التصوير جزء لا يتجزأ من العمل النهائي: حوار، تفاوض، تجربة جسدية وذهنية. أحياناً يعرض الفنان لقطات من الكواليس في معارضه، لتوضيح أن الصورة نتيجة عملية أدائية ممتدة، لا مجرد ضغطة سريعة على زر. بهذا المعنى، يتحرّك عمله داخل تقاليد الفن المعاصر أكثر مما ينتمي إلى الفوتوغرافيا الكلاسيكية.
تستعيد السلسلة أيضاً طبقات سِيرِيّة. يرى الفنان تلامذته كمرآة له: مدينة مشتركة، مدرسة عمومية، خلفية اجتماعية واحدة. وفي مشروع “Version Soft” (بروكسل، 2003) وضع نفسه أمام الكاميرا مؤكداً فكرة أن التصوير يمكن أن يكون سيرة ذاتية بصريّة. هذه الذاتية لا تُختزل في الاعتراف، بل تتخذ شكل هندسة للمشهد تكشف القيود بدون إدانة خطابية، وتبحث عن حرية ممكنة داخل حيز ضيق.
لا يكتب بنحود أعماله على مقاس التلقي الغربي أو المحلي. بعد العرض، لا تعود الصورة “ملكه” وحده؛ يترك للجمهور قراءته الخاصة. لكنه يلاحظ أن البنية الثقافية في أوروبا—المتاحف، المدارس، الاعتياد على زيارة صالات العرض—تمنح المتلقي أدوات أشد حساسية لفهم المرجعيات. رغم ذلك، يصرّ على مسافة من الهوس بالاعتراف المؤسسي: لا يطارد المنح ولا الملفات، ويترك للصدفة والعلاقات المهنية أن تقترح مسارات العرض، فيما ينشغل هو بتحضير السلسلة التالية.
إعادة إصدار The Classroom في 2025 عن دار Loose Joints مثّلت قراءة تحريرية جديدة للأرشيف، من اختيار النيغاتيفات إلى الإخراج والمادة الورقية. أسند الفنان للناشرة حرية واسعة في الصياغة، ما منح الكتاب إيقاعاً بصرياً مغايراً لوضع 2001، وأعاد للصور نبضاً معاصراً ساهم في ترشيحه ونيله جائزة Paris Photo–Aperture. هذا الاعتراف ترافق مع طلبات توقيع وعروض وانتشار واسع على الشبكات، لكنه لم يبدّل طريقة عمل الفنان التي تقوم على البطء والتراكم: مشروع كل عامين تقريباً، وغياب كامل للالتقاط اليومي العشوائي.
خارج قاعات الدرس، يواصل بنحود اختبار العلاقة بين الجسد والفضاء في المغرب. في مايو الماضي أنجز بورتريهات عائلية في الجنوب، مبتعداً عن نظرة سياحية سطحية، ومراهناً على مشاركة حقيقية مع من يظهرون في الصور. من المقرر عرض معاينة أولى من المشروع خلال انطلاق مهرجان فوتو طنجة في يونيو، في سياق محلي يأخذ الفوتوغرافيا المعاصرة على محمل الجد ويمنحها جمهوراً جديداً.
تاريخياً، صدرت النسخة الأولى من The Classroom مطلع الألفية عن منشورات لويّو، فيما تأتي طبعة 2025 من Loose Joints كرؤية مُحدَّثة للأرشيف نفسه، وهي الطبعة التي حصدت Paris Photo–Aperture PhotoBook Award 2025. بين النسختين، تتبدّل اليد التحريرية والإخراج، لكن تظل جوهر الفكرة ثابتة: استخدام التصوير الفوتوغرافي كأداة تفكير في الانضباط، والذات، وحقّ الفرد في مساحة يتحرّك فيها بكرامة.
يستند هذا المقال على حوار منشور في منصة TelQuel، حيث يمكن الاطلاع على النص الأصلي